محمد بن علي الشوكاني
5488
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مدح له ، بل توحيده من أعظم المدح له سبحانه ، وقد رغب رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلى الاستكثار من هذه الأمور ، وبين ما فيها من الأجر العظيم للعباد ، فعرفت بهذا معنى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " ما أحد أحب إليه المدح من الله " ، فلا تعارض بينه وبين حديث الباب . فإن قلت : قد ثبت في الصحيحين ( 1 ) وغيرهما ( 2 ) من حديث أنس قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله بأرض فلاة " . وفي رواية لمسلم ( 3 ) : " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت عنه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح " . وفي الصحيحين ( 4 ) وغيرهما ( 5 ) من حديث الحارث بن سويد عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يقول : " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية ( 6 ) مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 6309 ) ومسلم رقم ( 2747 ) ( 2 ) كأحمد ( 3 / 213 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 617 ) . ( 3 ) في صحيحه رقم ( 7 / 2747 ) ( 4 ) أخرجه البخاري رقم ( 6308 ) ومسلم رقم ( 2744 ) ( 5 ) كأحمد ( 1 / 383 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 618 ) ( 6 ) في حاشية المخطوط : فلاة مهلكة . قال ابن الأثير في " النهاية " ( 2 / 143 ) : الدو : الصحراء التي لا نبات بها . والدوية منسوبة إليها وقد تبدل من إحدى الواوين ألف ، فيقال : داوية على غير قياس . * في هذا الحديث : إثبات الفرح لله عز وجل ، فنقول في هذا الفرح : إنه فرح حقيقي ، وأشد فرح ولكنه ليس كفرح المخلوقين . الفرح بالنسبة للإنسان هو نشوة وخفه يجدها الإنسان من نفسه عند حصول ما يسره ، ولهذا تشعر بأنك إذا فرحت بالشيء كأنك تمشي على الهواء ولكن بالنسبة لله عز وجل ، لا نفسر الفرح بمثل ما نعرفه من أنفسنا فنقول هو فرح يليق به عز وجل مثل بقية الصفات ، كما أننا نقول : لله ذات ، ولكن لا تماثل ذواتنا ، فله صفات لا تماثل صفاتنا ، لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات . فنؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به ، محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنصح الخلق للخلق ، وأفصح الخلق فيما ينطق به عليه الصلاة والسلام . ونحن على خطر إذا قلنا : المراد بالفرح الثواب ، لأن أهل التحريف يقولون : إن الله لا يفرح ، والمراد بفرحه : إثابته التائب . أو : إرادة الثواب لأنهم هم يثبتون أن لله تعالى مخلوقا بائنا منه هو الثواب ويثبتون الإرادة ، فيقولون في الفرح : إنه الثواب المخلوق أو : إرادة الثواب . ونحن نقول : المراد بالفرح : الفرح حقيقة ، مثلما أن المراد بالله عز وجل نفسه حقيقة ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبداً . ويستفاد من هذا الحديث : مع إثبات الفرح لله عز وجل وكمال رحمته جل وعلا ورأفته بعباده ، حيث يحب رجوع العاصي إليه هذه المحبة العظيمة . . . . هارب من الله ، ثم وقف ورجع إلى الله . يفرح الله به هذا الفرح العظيم . ومن الناحية المسلكية : يفيدنا أن نحرص على التوبة غاية الحرص ، كلما فعلنا ذنبا ، تبنا إلى الله . قال تعالى في وصف المتقين : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ) أي فاحشة : مثل الزنى ، اللواط ، نكاح ذوات المحارم قال تعالى : ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ) [ النساء : 22 ] . ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) [ الإسراء : 32 ] . وقال لوط لقومه : ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ) [ الأعراف : 80 ] . إذا : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ) ذكروا الله تعالى في نفوسهم ، ذكروا عظمته ، وذكروا عقابه وذكروا ثوابه للتائبين . ( فَاسْتَغْفَرُوا لذُنُوبِهِمْ ) فعلوا ما فعلوا ولكنهم ذكروا الله في نفوسهم واستغفروا لذنوبهم . قال تعالى ( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ) [ آل عمران : 135 ] . فأنت إذا علمت أن الله يفرح بتوبتك هذا الفرح الذي لا نظير له . لا شك أنك سوف تحرص غاية الحرص على التوبة . " شرح العقيدة الواسطية " ( 2 / 19 - 21 )